الغزالي

56

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

السلطان بلا سياسة وكان لا ينهى المفسد عن فساده ، ويتركه على مراده ، أفسد أموره في سائر بلاده . وقالت الحكماء : إن طباع الرعية نتيجة طباع الملوك ؛ لأن العامة إنّما ينتحلون ويركبون الفساد وتضيق أعينهم اقتداء بالكبراء ، فإنهم يتعلّمون منهم ويلزمون طباعهم . ألا ترى أنه قد ذكر في التواريخ أن الوليد بن عبد الملك من بني أمية كان مصروف الهمّة إلى العمارة وإلى الزراعة ؛ وكان سليمان بن عبد الملك همّته في كثرة الأكل وطيب المطعم وقضاء الأوطار والمهمات وبلوغ الشهوات ؛ وكانت همّة عمر ابن عبد العزيز في العبادة والزهادة . قال محمد بن علي بن الفضل : ما كنت أعلم أن طباع الرعية تجري على عادة ملوكها حتى رأيت الناس في أيام الوليد قد اشتغلوا بعمارة الكروم والبساتين ، واهتمّوا ببناء الدور وعمارة القصور . ورأيتهم في زمن سليمان بن عبد الملك قد اهتمّوا بكثرة الأكل وطيب المطعم ، حتى كان الرجل يسأل صاحبه أي لون اصطنعت ، وما الذي أكلت . ورأيتهم في أيام عمر بن عبد العزيز قد اشتغلوا بالعبادة ، وتفرّغوا لتلاوة القرآن ، وأعمال الخيرات ، وإعطاء الصدقات . ليعلم أن في كل زمن يقتدي الرعية بالسلطان ويعملون بأعماله ، ويقتدون بأفعاله ، من القبيح والجميل ، واتّباع الشهوات وإدراك الإرادات . حكاية « 1 » : ذكروا أن في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان ابتاع رجل من رجل أرضا فوجد فيها كنزا ، فمضى سريعا إلى البائع وأخبره بذلك ، فقال : إنّما بعتك ولم أعلم ما فيها ، والكنز الذي وجدته فهو لك ومبارك عليك ، فقال : لا أريده ولا أطمع في أموال الناس . فترافعا بهذه الدعوى إلى الملك العادل أنوشروان ، ففرح بذلك وقال : هل لكما أولاد ؟ فقال أحدهما : لي ابن . وقال الآخر : لي بنت . فقال أنوشروان : أحب أن يكون بينكما قرابة وصلة ، وأن تزوّجا الولد بالبنت وتنفقا هذا الكنز في جهازهما ، ليكون لكما ولولديكما . ففعلا ما أمر به ، وتراضيا ما رسم لهما .

--> ( 1 ) حديث نبوي متفق عليه ، رواه البخاري [ جزء 3 - صفحة 1281 ] رقم 3285 . ومسلم [ جزء 3 - صفحة 1345 ] رقم ( 1721 ) ونصه : ( اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب . وقال الذي له الأرض : إنما بعتك الأرض وما فيها . فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ قال أحدهما : لي غلام ، وقال الآخر : لي جارية . قال : أنحكوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا ) .